متعة الألم

هذه الأيام ،و كما يحصل مع أي واحد فينا، نبقى في المنزل، تنفيذا بتعليمات العزل المنزلي و البقاء في البيت حرصا على عدم انتشار فيروس كورونا، و انتقاله إلينا، و أنا مثل بقية الناس، أحاول أن أشغل وقتي، و أحيانا متابعة بعض الأعمال عبر الهاتف، و أكتب بعض المقالات، و أتابع كتابة بعض القصص و الروايات و بعضها أنهيت كتابتها، و أقرأ الصحف و المواقع الإلكترونية، و بعض الروايات ،و خصوصا القديمة….. لكن بالأمس قررت أن أغير نمط حياتي، تذكرت أني يوما ما كنت أجيد الرسم، فقلت في نفسي، حاول أن ترسم شيئا، ليكن أختبارا، بعد انقطاع عشرات السنين، أتيت بكل معدات الرسم و ورقة كبيرة، و أول شيء خطر في بالي أن ارسمه هو وجه أمي، بدأت في رسم الملامح العامة، و عندما أتيت إلى تفصيلات العينين و الوجه، عادت يدي ترجف من جديد، و توقفت يدي عن الرسم، و كأنها مشلولة، و عادت زكرى نفس اليوم الذي اعتزلت فيه الرسم، فجلست على الكرسي و وضعت يدي على رأسي متألما، و تذكرت السبب، و هذا كتبته في قصتي (نيروز، لا يزال حيا) و التي لم تبصر النور، لأني لم أجد الإنسان المناسب الذي يشتري حقوقها و إليكم بعض منها و ذلك من خلال القسم بعنوان (متعة الألم) :………………………………………… اذكر ذلك اليوم جيدا، كنت في الصف الثاني الإعدادي و الجو ربيعيا، في صباح ذلك اليوم ،كنت سعيدا جدا ،فوالدتي ألبستني لباسا جديدا، و أعطتني مصروفا كبيرا، قالت لي:والدك سعيد جدا، لأنك تفوقت على رفاقك في الإختبارات، و يقول لك أحسنت، في الصيف القادم أن نلت المركز الأول هذا العام، سيجعلك تسافر إلى انكلترا، حتى تتعلم اللغة الإنكليزية جيدا، و بعد الثانوية، تتابع دراستك الجامعية هناك، وفقك الله يا ولدي، أنا و والدك لنا أمل كبير في مستقبلك، في الطريق إلى المدرسة، حلمت بالركوب بالطائرة و التحليق في السماء عاليا، متى يأتي هذا اليوم؟ إذ لم يسبق لي ركوب الطائرة، و الجامعة في انكلترا، يا له من شعور عظيم، كأني أملك العالم الآن، كم أحبكم يا والدي، و والدتي، وصلنا المدرسة، لاحظ الجميع سعادتي، و من الدرس الأول، لم أترك سؤالا، إلا و سبقت رفاقي إلى الجواب الصحيح و كان عن التاريخ، و الدرس الثاني كان في الرياضيات، و سألني المدرس عدة أسئلة أجبت عنها كلها، بسرعة و امتياز، و خرجنا لاستراحة قصيرة، قال لي أحدهم، يبدو أنك لن تترك مجال لأحد لمنافستك هذا العام،إبتسمت بدون تعليق و تركت سري في قلبي، و جاء الدرس الثالث، و كان درسا في العلوم، أذكر المدرس كأنه أمامي، كان له شاربين عريضين، و طويل ،و ذو شعر أشقر و عينين زرقاوين، و لا يبتسم نهائيا، و صوته قوي، ترتعد الجدران عندما يصيح، و لا يعطي كلمات ثناء أو مديح إلا نادرا، و كان يدخن كثيرا، حتى أثناء الدرس، و دائم العصبية، و صعب المزاج، عنوان الدرس كان عن الحيوانات الأليفة و الجهاز الهضمي فيها، و تلك الأيام، كان المعلمون يطلبون رسم ما هو موجود في الكتاب، و الرسمة التي طلبت هي عدة حيوانات أليفة، في البستان، بقرة و خراف و دجاج، و بعض الشجر، و نبع مياه،بدأت في الرسم، لا أدري من أين و كيف، أتى هذا الإلهام لي…… أنتهى الوقت المخصص، و بدأ المدرس تفقد الرسومات لكل طالب، جاء دوري، نظر إلى الرسمة، دقيقة صمت، نظر إلى وجهي، عاد و نظر إلى الرسمة، ثم إلى وجهي، قال لي :أنت نسخت الرسمة، أنت تغش، ثم ساد صمت رهيب…. و أتتني صفعة قوية، من يده الضخمة على وجهي، أوقعتني أرضا، أقسم بالله العظيم، رسمتها بيدي، أقسم، صاح بأعلى صوته :أغرب عن وجهي، سأطلب والدك إلى إدارة المدرسة، لتقول له، ولدك سيء، غشاش… لم ينفع البكاء و الدموع…. لا أعلم كيف مضى الوقت، و عدت إلى البيت، و استقبلني والدتي، و ركضت إلى حضنها، حكيت لها ما حصل معي، خففت من صدمتي، و رفعت من معنوياتي، و أعطتني من حنانها الكثير، و لكن…………. في المساء و عند مطالعة الوظائف اليومية، طلبت والدتي أن أرسم لها نفس الرسمة…. بدأت يدي ترتجف، و لم أستطع أن أرسم شيئا، لاحظت والدتي ووقالت:أنت مرتبك اليوم، أنك متعب، غدا سترسم أفضل، و يصدقك المدرس….. و لكن منذ ذلك اليوم أعتزلت الرسم إلى الأبد، يدي ما زالت ترتجف…… يتبع..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s