أحلام أبي

كان والدي متفانيا في عمله مخلصا، لدرجة أنه كان يعطي معظم وقته لعمله و وجوده في البيت قليل، فعمله يتطلب منه جهدا كبيرا، و والدي ابن فلاح فقير، تغلب على كافة ظروفه حتى حصل على علمه و شهادته التي سمحت له بالحصول على وظيفة جيدة في الدولة، أفنى والدي وقته ليثبت جدارته في العمل، و هكذا إلى أن حصل على درجة تلو الدرجة حتى وصل على ما هو عليه، و ننام قبل أن يأتي إلى المنزل و أحيانا يأتي لتناول الغذاء سريعا، إن كان لنا حظ التقينا به، و في العادة لا نلتقي الا في الصباح، نحن نستعد للذهاب إلى المدرسة و يحضر نفسه للذهاب إلى عمله، و يسألنا عن المدرسة و يقدم لنا النصائح و يضرب لنا مثلا، كيف أنه كان فقيرا و تعلم و وصل إلى هذه الدرجة، و يقول لنا أن ظروفنا الأن أفضل بكثير من ظروفه، و حين تكون نتائجنا في المدرسة ليست جيدة، نطلب من أمي أن تجنبنا اللقاء به، و هي تعرف كيف تتصرف معه، و في أيام العطلات كان والدي يذهب إلى عمله أو نزهات عمل مع أصدقائه، فهو مطلوب منه أن يحافظ على علاقاته و لا يخسر أحدا، يريد أن يكسب الجميع، و في داخل نفسه ما زال يطمح إلى الأفضل و لا يوجد لديه رصيد غير عمله و علاقاته، و قد جاء يوما و قرر والدي أن يعطي هذا اليوم إلى أولاده، طلب منا الحضور إلى غرفته، و كانت غرفته مليئة بالكتب و الصحف، فبعد أن يأتي من عمله و قبل أن ينام، يقرأ ساعتين على الأقل يوميا، و هو ما زال يحافظ على هذا البرنامج حتى اليوم رغم بلوغه سن التقاعد، فالقراءة كنز لا ينتهي هكذا يقول، حضرنا جميعنا إلى الغرفة فأتى بالمسجل و كتاب و طلب منا كل واحد أن يقرأ بصوت عال و لغة جيدة و صوت خطابي، و بدأ بالتسجيل، فالأخ الأول فشل في الدقيقة الثانية، و الأخ الثالث فشل في الدقيقة الأولى، أما أنا قرأت أول كلمة و بدأت الضحك، أعاد المحاولة معي، فضحكت، و هكذا إلى أن يأس مني و قال لي،:ليس منك أمل في ذلك أذهب و أخرج من الغرفة، و حاول مع اشقائي و لكن بدون نتيجة، هو أن يريدنا أن نكون مثله في اللغة و إلقاء الكلمات، لكن كنا نحتاج الوقت، و والدي عصبي المزاج نتيجة الضغط الذي يتعرض له و عمله الذي لا يتوقف، أراد والدي أن يقوي شخصيتنا و القضاء على الخجل (و هو في ذلك يحفزنا على المطالعة و القراءة،) الذي كنا نتميز به، و هكذا مرت الأيام و من بعدها لم يجتمع بنا والدي إطلاقا، الظروف العائلية التي تعرضنا لها لم تسمح بذلك، و كلما التقينا به كان يعطينا النصائح و يكتفي بالمقارنات، كان والدي يحلم بأن نحصل على شهادات نتمكن من الحصول على وظيفة نستطيع العيش من خلالها، لم يحسب حساب الزمن، و أن كل جيل له ظروفه، كان مثاليا جدا، و أرادنا أن نكون مثله، تحققت أحلام أبي في ذلك فقط،لقد أصبحنا مثاليين جدا و شفافين، و طيبين و صادقين، كان يعتبر ذلك أكبر رصيد، في زمن لم يعد ينفع فيه الصدق و الطيبة و الأخلاق، لقد ربحت يا أبي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s